نص "بائع الأرتيك" من كتاب الموجِّه للصّفوف الإعداديّة
تأليف وإعداد الكتاب: كمال حسين إغبارية

- قبلَ أن يُقرَعَ جرسُ الاستراحةِ - أيْ قبلَ العاشرةِ صباحًا بقليلٍ - سُمِعَ صوتُ بائعِ الارتيكِ.
"أرتيك مع حليب، مع شوكلاطة..".
2.لم يكنِ انتباهُ الطّلّابِ إلى صوتِهِ كانتباهِ منيرٍ، الّذي أصغى بكلِّيّتِهِ إلى بائِعِ الأرتيكِ الّذي ينادي على بِضاعَتِهِ بصوتٍ جميلٍ، وبلحنٍ خاصٍّ. ويبدو أنَّ المعلِّمَ قد لاحَظَ أنّ منيرًا لا يُصغي إليهِ.
-"أنت يا منيرُ! هلْ أنتَ فاهمٌ ما أقول؟" قالَ المعلّمُ نجيبٌ بصوتِهِ الهادئِ الرّزين.
إلّا أنَّ منيرًا لمْ يسمَعْ كلامَ المعلّمِ.. ولمْ ينتبهْ إلى المُعلِّمِ وهوَ يشيرُ بإصْبعِهِ إليهِ.
:لكزَ عزيزٌ منيرًا - الجالِسَ بجانِبِهِ - وقالَ هامِسًا
."منير! انتبهْ! المعلِّمُ يسألُكَ"
فقال منيرٌ بهمسٍ: "ألا تسمعْ نداءَ بائِعِ الأرتيك؟ لقد جاءَ.. إنَّهُ لا يتعلّمُ أبدًا". فصاحَ المعلِّمُ:
منير! ما هذا؟!" آنذاكَ انتبَهَ منيرٌ إلى صوتِ المعلِّمِ، فحنى رأسَهُ بعدَ أنْ اصطَبَغَ وجهُهُ بحُمرةِ الخَجَلِ.
تابع المعلّمُ شرحَهُ، وعادَ التّلاميذُ ينتبهونَ إلى الدّرسِ، إلا منيرًا الّذي أخَذَ يستعيدُ بذاكرَتِهِ ما يفعلُهُ معَ بائِعِ الأرتيكِ هذا، فقد كانَ يهرعُ مَعَ شلّةٍ منَ الطّلابِ إلى بائعِ الأرتيك، يتجمّعونَ حولَهُ ويهزأونَ به، ويشدّونَ بملابِسِهِ الرّثّة. أو يقلِّدونَهُ بمشيتِهِ وهوَ "يعرج".
وكانَ منيرٌ أكثرَ الطّلابِ وقاحةً في ملاحقَةِ هذا البائعِ الّذي كانَ يتحمَّلُ إيلامَهُ لهُ بعضَ الوقتِ ريثما يبيعُ ما مَعَهُ مِنْ حبّاتِ الأرتيك.. ولم يُصْغِ منيرٌ مرّةً واحدةً إلى توسُّلاتِهِ.. فقد كان يقول له: "مش عيب عليك، زيّ ما أبوك عنده اولاد انا كمان عندي أولاد، بدّي أعيّشهُم، وخَلّيني أبيع وأترزَّق". ولم يكنْ منْ منيرٍ عندما يقولُ له ذلك إلّا أنْ يبتدِعَ حيلةً أخرى ليهزَأَ بِهِ.
قُرِعَ جرسُ الاستراحةِ، فخرجَ التّلاميذُ من صفوفهم، وراحَ البعضُ يأكُلُ ما مَعَه منْ "ساندويش"، والبعضُ الآخَرُ يتراكضُ إلى الباعةِ الّذينَ يحملونَ أصنافًا متنوِّعةً مِن الفواكِهِ والكعكِ والحلوى، فيشترونَ منهم بِما معهم من نقودٍ، والبعضُ لمْ يفعلوا لا هذا ولا ذاكَ، ولكِنَّهُم فتحوا كُتُبَهم، وأخذوا يستذكرونَ دُروسَهم، ويُلقونَ على بعضهم الأسئلةَ. أمّا منيرٌ فإنّه ركض نحو بائِعِ الأرتيك على رأسِ شلّتِهِ من الطّلّابِ، وتحلَّقوا حولَهُ
أخذَ منيرٌ يثيرُ النُّكتَ ويهزأُ بِهِ.. والطُّلّابُ يتصايحونَ ويتضاحكونَ.. وقسمُ منهم أخذَ يشُدُّ بثيابِهِ الرَّثّةِ.. وقسمٌ آخرُ اقترَبَ منْ صندوقِ الأرتيكِ يفتحهُ، ويُقفلُهُ بشدّةٍ.. والبعضُ يقذفُهُ بالحصى الصّغيرةِ.. وكانَ واضِحًا أنَّ منيرًا هوَ الّذي يجعلُ الطُّلّابَ يتجرّأونَ على مثلِ هذهِ الأعمالِ.
"اسمعوا يا شياطين.. أرتيك على حليب، على شوكلاطة.. أرتيك! ابعدوا يا أولاد. من يحبُّ على حليب، على شوكلاطة.. استحوا عَ حالكو! أرتيك!!".
صاحَ بائِعُ الأرتيكِ وفي صوتِهِ رنّةٌ حزينةٌ، وكأنها صادرةٌ عنْ جرحٍ مؤلِمٍ جِدًّا..
ولم يكن منْ منيرٍ إلّا أنْ صفَّقَ بشدّةٍ.. فاتّبعهُ بقيّةُ الاولادِ تصفيقًا وضحكًا.
وكانَ المديرُ يلاحظُ هذا المنظر عنْ بعدٍ، فأحَسَّ في نفسِهِ ألمًا شديدًا منْ جرّاءِ معاملةِ طلّابِ مدرستِهِ لهذا البائعِ المسكينِ. والمديرُ يودُّ لوْ كانَ طلّابُ مدرستِهِ مؤدّبينَ يشعرونَ معَ الغيرِ، ويمدّونَ يَدَ المساعدةِ لكلِّ عاجزٍ، وكلِّ محتاجٍ إلى مساعدةٍ.. وكم مِنْ مرّةٍ عملَ معَ المعلّمينَ على حضِّ الطُّلّابِ على فعلِ الخيرِ ومساعدةِ كلِّ ذي حاجةٍ.
وعندما رأى هذا المنظَرَ، وتذَكَّرَ كُلَّ ذلكَ، فَقَدَ السّيطرةَ على صوتِهِ، وصاحَ بصوتٍ عالٍ مملوءٍ بالشِّدَّةِ والغضَبِ: "يا اولاد! يا منير!!" عندما سمعَ الأولادُ صوتَ المديرِ الغاضِبِ فزعوا وأخذوا يتراكضونَ من حولِ بائعِ الأرتيك.. أمّا منيرٌ فإنَّهُ ركضَ بدونِ وعيٍ، ولمْ ينتبهْ إلى ما في طريقِهِ فاصطدَمَ بحجرٍ.. وسَقَطَ على الأرضِ.. فجُرِحَتْ جبهَتُهُ وسالَ الدَّمُ الأحمرالنّقيُّ بغزارةٍ..
- Full access to our public library
- Save favorite books
- Interact with authors

- < BEGINNING
- END >
-
DOWNLOAD
-
LIKE(3)
-
COMMENT()
-
SHARE
-
SAVE
-
BUY THIS BOOK
(from $3.99+) -
BUY THIS BOOK
(from $3.99+) - DOWNLOAD
- LIKE (3)
- COMMENT ()
- SHARE
- SAVE
- Report
-
BUY
-
LIKE(3)
-
COMMENT()
-
SHARE
- Excessive Violence
- Harassment
- Offensive Pictures
- Spelling & Grammar Errors
- Unfinished
- Other Problem

COMMENTS
Click 'X' to report any negative comments. Thanks!